الثعلبي
154
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
إذ اختطفوه ، فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبرَيها اللذين يدبّران أمرها ، وهما رجلان صالحان اسم أحدهما أرموس واسم الآخر أسطيوس . فلما انطلقوا به إليهما ظن تمليخا أنه يُنطلق به إلى دقيانوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه ، فجعل يلتفت يميناً وشمالاً ، وجعل الناس يسخرون منه كما يسخرون من المجنون والحيران ، فجعل تمليخا يبكي ثمّ رفع رأسه إلى السماء وإلى الله عزّ وجلّ ، ثمّ قال : اللهم إله السماء والأرض أفرغ عليّ اليوم صبراً وأولج معي روحاً منك تؤيّدني به عند هذا الجبار . وجعل يبكي ويقول في نفسه : فرّق بيني وبين إخوتي ، يا ليتهم يعلمون ما لقيت وأين يُذهب بي ، ولو أنهم يعلمون فيأتون فنقوم جميعاً بين يدي هذا الجبار ، فإنا كنا تواثقنا ( لنكونن معاً ) لا نكفر بالله ولا نشرك به شيئاً ولا نعبد الطواغيت من دون الله ( ف ) فُرق بيني وبينهم فلن يروني ولن أراهم أبداً ، وقد كنا تواثقنا على ألاّ نفترق في حياة ولا موت ، يا ليت شعري ما هو فاعل بي ؟ أقاتلي أم لا ؟ هذا ما حدث به تمليخا أصحابه عن نفسه حتى انتهي به إلى الرجلين الصالحين : أرموس وأسطيوس ، فلما رأى تمليخا أنه لم يذهب به إلى دقيانوس أفاق وسكن عنه البكاء ، فأخذ أرموس وأسطيوس الورق ، فنظرا إليه وعجبا منه ثمّ قال أحدهما : أين الكنز الذي وجدت يا فتى ؟ هذا الورق يشهد عليك أنك وجدت كنزاً . فقال لهم تمليخا : ما وجدت كنزاً ، ولكن هذا الورق ورق آبائي ونقش هذه المدينة وضربها ، ولكن والله ما أدري ما شأني ، وما أدري ما أقول لكما . فقال أحدهما : فمن أنت ؟ فقال له : أمّا ما أرى فكنت أرى أني من أهل القرية . قالوا له : فمن أبوك ( ومن ) يعرفك بها ؟ فأنبأهم باسم أبيه فلم يجدوا أحداً يعرفه ، ولا أباه ، فقال له أحدهما : أنت رجل كذّاب لا تخبرنا بالحقّ . ولم يدرِ ما يقول لهم غير أنه نكس بصره إلى الأرض ، فقال بعض من حوله : هذا رجل مجنون . وقال بعضهم : ليس بمجنون ، ولكن يحمّق نفسه عمداً لينفلت منكم . فقال له أحدهما ، ونظر إليه نظراً شديداً : أتظن أنا نرسلك ونصدقك بأن هذا مال ، أبيك وضرب هذا الورق ونقشها أكثر من ثلاثمئة سنة ، وأنت غلام شاب تظن أنك تأفكنا وتسخر بنا ، ونحن شرط كما ترى ، وحولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها ، وخزائن هذه البلدة بأيدينا ، وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار ؟ إنني لأظنني سآمر بك فتعذّب عذاباً شديداً ثمّ أُوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت . فلّما قال له ذلك ، قال تمليخا : أنبئوني عن شيء أسألكم عنه ، فإن فعلتم صدّقتم ما عندي . قالوا له : سل ، ما نكتمك شيئاً . فقال : ما فعل الملك دقيانوس ؟ قالا له : ليس نعرف ملكاً يُسمى دقيانوس على وجه الأرض ، ولم يكن إلاّ ملكاً قد هلك منذ زمان ودهر طويل ،